ابن كثير
47
البداية والنهاية
ومثلها [ معها ، قال ] : وقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين ، قال : قلت : لمن ؟ قال لله ، قلت : فأين توجه ؟ قال حيث وجهني الله . قال وأصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأني خفاء ( 1 ) حتى تعلوني الشمس قال فقال أنيس : إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال فانطلق فراث ( 2 ) علي ، ثم أتاني فقلت ما حبسك ؟ قال : لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك ، قال فقلت ما يقول الناس له ؟ قال يقولون ( 3 ) إنه شاعر وساحر ، وكان أنيس شاعرا . قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم ، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر ، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . قال : فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق ؟ قال نعم ! وكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له . قال فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت ( 4 ) رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إلى [ الصابئ ] ( 5 ) فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي ، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم فشربت من مائها ، وغسلت عني الدم ، ودخلت بين الكعبة وأستارها ، فلبثت به يا بن أخي ثلاثين من يوم وليلة ، مالي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني ( 6 ) وما وجدت على كبدي سخفة ( 7 ) جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة ( 8 ) أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين ، فأتتا علي وهما يدعوان إساف ونائلة . فقلت : انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك ، فقلت وهن مثل الخشبة ( 9 ) غير أني لم أركن ( 10 ) . قال : فانطلقتا يولولان ويقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا ، قال : فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال مالكما ؟ فقالتا الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا : ما قال لكما ؟ قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم ، قال وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت ، ثم صلى . قال فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الاسلام . فقال : " عليك السلام ورحمة الله من أنت ؟ " قال قلت من غفار ، قال : فأهوى بيده
--> ( 1 ) الخفاء هو الكساء وجمع أخفية ككساء وأكسية ، وفي رواية المقرئ في البيهقي : يعني الثوب . ( 2 ) راث : أي أبطأ علي . ( 3 ) في نسخة البداية المطبوعة : يقولوا وهو تحريف . ( 4 ) أي نظرت إلى أضعفهم فسألته . ( 5 ) من دلائل البيهقي ، والمعنى هنا : أي انظروا وخذوا هذا الصابئ . ( 6 ) عكن : جمع عكنة ، وهو الطي في البطن من السمن ، والمعنى : انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه . ( 7 ) سخفة : بفتح السين وضمها . وهي رقة الجوع وضعفه وهزاله . ( 8 ) في الدلائل : أصمخة وهي هنا الآذان ، أي ناموا . ( 9 ) المراد هنا سب وإهانة اساف ونائلة ، الصنمان ، وإغاظة الكفار . ( 10 ) في مسلم : لا أكني .